مقدمات ويوم العاشر…


في كيفية المعرفة لابد لمقدمات سابقة من اجل ان نصل إلى نتيجة عقلانية وجدانية تامة، فمفهوم الشهيد مفهوم تواتر في الحضارات و الامم ولدى الناس المؤمنة والغير مؤمنة لكن المؤمنة كانت لها هوية خاصة بهذا الشخص الجلل. 

يقول الدكتور شريعتي في قراءته للشهيد:"والشهيد هو من يمنح وجوده بالكامل في عملية واحدة، ويفني نفسه من أجل تلك العقيدة وذلك الهدف المقدس الذي نؤمن به وبقدسيته جميعاً، ومن الطبيعي أن تسري قدسية المعتقد والهدف بالكامل إلىٰ الوجود الذي ضحىٰ به الشهيد، ولهذا نلاحظ وجوده يعدم في لحظة ويتحوّل إلى صفر، بيد أنّه يكتسب قيمة الهدف الذي ضحىٰ من أجله اكتساباً مطلقاً، ويتحوّل إلى ((قداسة))

مطلقة في ذهن الأفراد وأفكارهم لقد تحوّل الإنسان النسبي إلى إنسان مطلق، لأنه ما عاد إنساناً، شخصاً، أو فرداً وإنما هو فكر مقدس ، لقد راح الفرد فداء للفكر فصار فكراً".

-

وأما باومان فيعبر: ان الحياة الحديثة جردت المعاني الإنسانية التي عاش عليها الإنسان وأخفت القدوة الصحيحة فكانت مدى التاريخ القدوة تكمن في الشهيد و البطل في الأمة بينما في زمان الحداثة اصبحت في المشاهير.


فصورة و فكرة الشهيد هي صورة مقدسة و رمز خالد يفنى من اجل شيء ما، ومقدار الشيء يحدد قداسة وقيمة هذا الشهيد…


وتتحدث الاخصائية النفسية زهراء الموسوي عن البكاء فتقول بمعنى: ان اول شعور إنساني فحين يخرج الفرد من بطن والدته يبكي ولكن المحير في الموضوع هو لم يبكي فهل يبكي لمفارقة بيته الاول او لانه انتصر وربح معركة الوجود.


ولعل الفرد الذي لا تمر عليه حلقة المشاعر الانسانية يبقى في حيرة من بعض المعارف والمشاعر الإنسانية، فابرهام ماسلو نسى شيء في هرمه وهو شيء لا يستطيع الفرد ان يحيى بدونه وهو المشاعر والاحساس، فالطفل حين يخرج إلى الوجود يحتاج إلى فرد يشعره بالرفق والحنان والدفئ كي ينمو بشكل سليم.


واعتقد ان الديانات هي ترا قداسة الشهيد من اهم الامور، ومن الامور العجيبة ان كثيرا من اتباع السيد المسيح يرون تأويل اية"فهذا اليوم للسيد رب الجنود يوم نقمة للانتقام من بغضيه، فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم. لأن للسيد رب الجنود ذبيحة في أرض الشمال عند نهر"

سفر إرميا (١٠:٤٦).


انها ترمز للامام الحسين لانه هو الوحيد الذي تنطبق عليه مصاديق هذه الاية وهو من احفاد النبي إسماعيل وقد صرح بذلك بابا جورجيا، وكذلك انطون بارا في كتابه وكذلك الكاتبه ايزابيل بنيامين ماما.


هذا بصورة مسيحية و يهودية اما من جانب الاسلام فالرسول الأعظم بكى عليه حين ولادته وان جبرائيل جلب له تربة من تراب كربلاء واحتفظت به السيدة ام سلمة ورأته محمر في يوم العاشر في محرم..


وأما من جانب الحسين و اصحبه فقد ذابت نفوسهم في قداسة الحسين فقد قالوا: ان زهير بن القين عندما طالب الإمام الشهيد صحبه بالانصراف وتركه لمواجهة مصيره وحده ، وكيف أجابه : « سمعنا يا ابن رسول اللَّه مقالتك ، ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلَّدين .. لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها » .

شعر بالخجل وحقارة النفس حيال قولة بدير بن حضير: (( يا أبن رسول اللَّه لقد منَّ اللَّه بك علينا أن نقاتل بين يديك تقطع فيك أعضاؤنا ، ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة فيها )) .

أحس بتخاذله وتواكله حيال قول نافع بن هلال للشهيد : ((سربنا واشداً معافى مشرقاً إن شئت أو مغرباً ، فواللَّه ما أشفقنا من قدر اللَّه ولا كرهنا نقاء ربنا ، وإنَّا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ، ونعادي من عاداك » .

ما عادت نفس هذا المسلم تملك إلا أن تصغر في عين ذاته حينما يقارن بين موقفه وبين موقف زهير بن القين في ميدان الطف حيث لا شيء إلا الموت : (( واللَّه لو ددت أني قُتلت ثم نُشرت ثم قُتلت ، حتى أقتل كذا ألف قتلة وأن اللَّه يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك ».


هذا من بعد وكيف كان حال أسرته فالعباس اتى بالماء للأطفال و النساء وفي الخوض الثاني لم يعد فقطعت يديه وهو يحمل القربة فحين قُطعة يد حمل السيف وقاتل قتال الطالبيين وحين أريق ماء القربة سقط العباس..


اما عن من قال فيه جده الأعظم سيد شباب اهل الجنة هو وأخوه الحسن وقال فيه هو امام قام او قعد، فقد قال حين خرج إلى كربلاء: "الحمد للّه وما شاء اللّه ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه وصلى اللّه على رسوله وسلّم، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي يتقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضى اللّه رضانا أهل البيت، نصبر شلى بلائه ويوفينا أُجور الصابرين، لن تشدّ عن رسول اللّه قَي لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز لهم وعده، من كان فينا باذلاً مهجته وموطّناً على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا فإنّي راحل مصبحاً إن شاء اللّه" ..


وحين وصل إلى كربلاء قال: ‏ألا وإنّ الدّعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتَين؛ بين السّلة والذلّة وهيهات منّا الذلّة، يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت واُنوف حميّة ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام.


وكانت الملحمة المقدسة بين حفيد الرسول ومن عاداه وانتهت المعركة بشهادته ومن رافقه، ولعل من اهم الأمور التي توضح من حاربه هو ما فعل بالشهداء من تمثيل وما تم فعله بالخيم من حرق ونهب وما تم فعله بالفاطميات من سبي، وهذه من مصاديق الحقد و البغض وهي على الرسول و أبيه الامام علي وهو من بعدهم وقد اوضح العقاد ذلك في كتابه..


وقد تواتر الشعر الحسيني من بداية الهجرة فمن بشر بن حذلم فالفرزدق فأتى بعدهم السيد إسماعيل الحِميري إلى زماننا الحاضر من الجوهري وملا عطية الجمري وجابر الكاظمي ومحمد الحرزي وغيرهم..

بل وقت انتشر الشعر الحسيني بمختلف اللغات ومختلف الأعراق و الاديان، وشواهد على ذلك بولس سلامة كان مسيحي و محمد الفضولي الشاعر الأذربيجاني وغيرهم الكثير فالشعر الحسيني شعر عريق منذ  اول سنين الهجرة إلى يومنا الحاضر  ولو تامل الفرد قليلا لوجد في كل مصر احد الشعراء الحسينيين.


فحين يقرأ القارئ هذه المقدمات يصل إلى عظمة الاشخاص و افكارهم في تاريخ الامم، فالامام الحسين عِبرة وعَبرة ويصل إلى نتيجة ان الامام الحسين رمز نوراني تواتر بين الامم وتجلى في امة الرسول الأعظم محمد، ويتضح له كذلك ان من حاربه ضده ومن كان معه ذاب في القداسة، وهذه اول أوليات الفلسفة فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان.


وللقارئ التأمل.


الكتاب المقدس.

كتب التاريخ-ابومخنف و ابوفرج الأصفهاني و السيد ابن طاؤوس وغيرهم.

كتاب قراءة نفسية في واقعة الطف - زهراء الموسوي.

كتاب الحسين ابوالشهداء - عباس محمود العقاد.

كتاب ‏ بحوث مسيحية، متعلقة بالحسين والمهدي - ايزابيل بنيامين ماما.

كتاب الحياة السائلة - زيجمونت باومان.

كتاب الحسين وارث آدم - علي شريعتي.

كتاب الحسين في الفكر المسيحي - انطون بارا.

Comments

Popular posts from this blog

الحب Amor Любовь 爱 Amour Liebe Amore عشق Məhəbbət Aşk kærlighed،

الكتب المقدسة تتحدث.

هل حقاً توجد علاقة بين الادب روسي و الادب و الفكر العربي؟.